تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - فصل في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب الجبر و مذهب القدر
فصل في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب الجبر و مذهب القدر
و أما على مذهب الجبر، فللقدري أن يقول: أعوذ باللّه يبطل القول بالجبر من وجوه:
الأول إنّه اعتراف بكون العبد فاعلا لتلك الاستعاذة و لو كان خالق الأفعال هو اللّه دون العبد فيكون قوله كذبا. و أيضا إذا خلق اللّه فعلا في العبد امتنع لأحد دفعه و إذا لم يخلقه امتنع تحصيله فلا فائدة في الاستعاذة فثبت ان قوله «أعوذ» اعتراف بكون العبد موجدا لفعله.
الثاني: إن الاستعاذة باللّه إنما يحسن إذا لم يكن خالقا للأمور التي يستعاذ منها.
و أما إذا كان هو فاعلها فيمتنع الاستعاذة به منها و إلا لكانت الاستعاذة باللّه من اللّه.
الثالث: إن الاستعاذة باللّه من المعاصي- و هي من قضاء اللّه- تستلزم أن لا يرضى العبد بالقضاء و الرضاء بالقضاء واجب.
الرابع: إن الاستعاذة باللّه من الشيطان إنما يحسن لو كانت الوسوسة فعلا له و أما إذا كانت فعلا للّه و لم يكن فعلا للشيطان و لا له أثر فيها فكيف يستعاذ من شرّه بل يجب أن يستعاذ من شر اللّه لا من شرّه إذ لا شرّ إلا من قبله.
الخامس: إن للشيطان أن يقول: يا إلهى إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا و أنت يا إله الخلق قضيت صدور الوسوسة عني و لا قدرة لي على مخالفة قضاءك و حكمتك ثمّ قلت:
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢/ ٢٨٦] و قلت: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [٢/ ١٨٥] و قلت: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٢٢/ ٧٨] فمع هذه الأعذار الظاهرة و الأسباب القوية كيف يجوز في عنايتك و رحمتك أن تذمّني و تلعنني!؟